الراغب الأصفهاني

328

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الشجاعة الشجاعة إن اعتبرت وهي في النفس فصرامة القلب على الأهوال وربط الجأش في المخاوف ، وإن اعتبرت بالفعل فالإقدام على موضع الفرصة ، وهي فضيلة بين التهور والجبن ، وهي تتولد من الفزع والغضب إذا كانا متوسطين ، فإن الغضب قد يكون مفرطا كمن يحتد سريعا من أشياء صغيرة ، وقد يكون مقصرا كمن لا يغضب من الاجتراء على حرمه وشتم أبيه وأمه ، وقد يكون متوسطا على ما يجب في وقت ما يجب وبقدر ما يجب ، وكذلك الفزع قد يكون مفرطا فيتولد منه الجبن الهالع ، ومقصرا فيتولد عنه الوقاحة والغمارة كمن لا يفزع من شتم آبائه وتضييع حرمه وأصدقائه ، وقد يكون متوسطا كما يجب وبقدر ما يجب ولكونهما أعني الغضب والفزع على حالين محمود ومذموم صارا يحمدان تارة ويذمان أخرى فإن الغضب في نحو قوله تعالى : وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ « 1 » والفزع في نحو قول الشاعر فزعت لظلمه الخ محمودان والتهور في الأمور العملية هو الثبات المذموم في الأمور المعطبة والجبن هو الفزع في الأمور المعطبة . واعلم أن أنواع الشجاعة خمسة : سبعية كمن أقدم لثوران غضب وتطلب غلبة ، وبهيمية كمن حارب توصلا إلى مأكل أو منكح ، وتجريبية كمن حارب مرارا فظفر فجعل ذلك أصلا يبني عليه ، وجهادية كمن يحارب ذبا عن الدين وحكمية وهي ما تكون في كل ذلك عن فكر وتمييز وهيئة محمودة بقدر ما يجب وعلى ما يجب ، ألا ترى أنه يحمد من أقدم على كافر غضبا لدين اللّه أو طمعا في ثوابه أو خوفا من عقابه أو اعتمادا على ما رأى من إنجاز وعد اللّه في نصرة أوليائه فإن كل ذلك محمود وإن كان محض الشجاعة هو أن لا يقصد بالإقدام

--> ( 1 ) الفتح / 6 .